إيران تعيد تشكيل الشرق الأوسط

Iran Reshapes The Middle East

George Friedman  

Nov. 29, 2017

وحدة الترجمة في مركز حوكمة للسياسات العامة

لقد كانت إيران ترى نفسها دائماً في منافسة مع الدول العربية للسيطرة على الخليج العربي، وقد توقفت طموحاتها في أواخر الثمانينيات مع نهاية حرب استمرت ثماني سنوات مع العراق، كلفت إيران أكثر من مليون إصابة وانتهت الحرب بعملية انسحاب عسكري لكنها من الناحية الاستراتيجية عرقلت آمال إيران في التوسع غرباً، لكن الحرب ضد الدولة الإسلامية ولا سيما في العراق، فتحت هذه الباب مرة أخرى.

 الطفرة الايرانية

 وقع العبء الرئيسي للقتال في العراق على الجيش العراقي إلى جانب العديد من الفصائل الشيعية التي خاضت معركة طويلة من الاستنزاف لهزيمة ما يسمى بتنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، وكان المستشارون الإيرانيون جزءا لا يتجزأ من العمليات العسكرية ولهم سيطرة مباشرة على بعض الفصائل، من جهة اخرى، كان لدى الولايات المتحدة الامريكية مستشارون وقوات أيضا، لكن الإيرانييون أكثر فعالية بكثير في الحصول على النفوذ في تلك الفصائل، وقد قبلت الولايات المتحدة الامريكية على مضض هذا الوضع -حيث كانت بحاجة إلى هزيمة (داعش)، لكنها لم ترغب في تقديم الخسائر التي قد تنتج عن المعركة الطويلة والطاحنة التي كانت مطلوبة لهزيمة (داعش). وبدلاً من ذلك، اعتمدت الولايات المتحدة على الغارات الجوية، ومن الواضح أنه كان من الضروري أن يكون هنالك قدر من التنسيق بين القوات العراقية والفصائل – بما فيه الكفاية، على الأقل، لمنع الانشقاق بينهم. بما يعني وجود بعض التنسيق مع المستشارين الإيرانيين الذين كانوا يقودون بشكل فعال بعض وحدات الفصائل ، في النهاية هزمت (داعش) ، وتركت إيران لتسيطر على نفوذ كبير في العراق، مع عدم وجود قوة كبيرة يمكنها احتواء ذلك النفوذ.

 إيران أيضا في موقف قوي في سوريا، فقد منعت إيران وروسيا معاً انهيار حكومة الأسد، وقد شارك حزب الله اللبناني بشكل عميق في القتال في سوريا مع نشر عدد كبير من الضباط الإيرانيين معه، كما أن القوات الإيرانية تقدم دعم لجيش سوريا الأسد، فإن الروس يناقشون بالفعل نهاية حاسمة يستعيد فيها الأسد أجزاء سوريا التي خسرها. سواء حدث ذلك أم لا، فإن الضغط هو خارج نظام الأسد الآن وعلاوة على ذلك، فإن روسيا قد أعلنت بالفعل أنها تخطط للحد من وجودها في سوريا، الأمر الذي يترك الإيرانيين اصحاب النفوذ الاوسع في سورية مع تعميق العلاقة التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب الاهلية.

 اليمن منطقة أخرى للنفوذ الايراني، ففي اليمن المتاخمة للمملكة العربية السعودية جنوباً، يدعم الإيرانيون الحوثيين، ومع نمو قوة الحوثيون في السنوات الأخيرة، شنت السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرها ضربات جوية ضدهم، فشلت الغارات الجوية في هزيمة الحوثيين، وهم الآن أكثر قوة. وقد اطلق صاروخ من اليمن باتجاه الرياض مطلع الشهر الجاري. ويزعم أنه صاروخ إيراني الصنع، وإنذارا للسعوديين بالخروج من اليمن. ومن المهم عدم المبالغة في تقدير قوة إيران. ومن الواضح أنها مؤثرة والباب مفتوح لمزيد من التأثير ، ولكن إيران ليست في وضع يمكنها بعد من ممارسة دور القوة العسكرية الحاسمة في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي التقليل من شأن إنجازات إيران، وهي القوة الأكثر تأثيراً في العراق. وهي تسيطر بشكل أو باخر على القوة العسكرية الأكثر تأثير في لبنان ولديها قدرات محدودة في سوريا، كما أن لديها مستشارين على الأقل في اليمن، وأخيرا، فإن إيران قد حققت تقدماً في منطقة النفوذ السعودي، فعلاقة قطر مع إيران هي جزء من السبب الذي ادى الى مقاطعة الكثير من العالم العربي لها.

التحالف المحتمل

 تشكل المملكة العربية السعودية حالياً أكبر تهديد لطموحات إيران. في الستينيات عندما كان شاه ايران لا يزال مسيطر، خاضت إيران حرباً ضد السعوديين في عمان ،مع ذلك ظلت علاقتهم عدائيه بعد الثورة الإيرانية. جزء من القضية هو الدين: المملكة العربية السعودية هي قلب الإسلام السني، إيران تمثل الإسلام الشيعي. ولكن هناك قضايا أعمق، الأولى هي النفط. فقد هيمنت السعودية على الموارد النفطية والأصول ذات الصلة في الساحل الغربي للخليج العربي مما خلق تهديدا دائما لإيران بسبب القوة العسكرية التي اشترتها، بالإضافة إلى ذلك فإن الضمانات الأمريكية للمملكة العربية السعودية التي تهدف إلى ضمان تدفق الإمدادات النفطية من الخليج، الامر الذي فرض على السعوديين تحديات لا تستطيع قواتهم العسكرية توفيرها.

 في الوقت الحالي، تواجه المملكة العربية السعودية صعوبات بالغة، فقد أدى الانخفاض في أسعار النفط إلى خلق مشاكل اقتصادية وسياسية للرياض، التي استخدمت دائما ثروتها النفطية للحفاظ على موقعها الاستراتيجي، إن بروز (محمد بن سلمان ) ولي العهد البالغ من العمر 32 عاما، وقراره بإلقاء القبض على بعض الشخصيات الرئيسة في المملكة، ادى الى خلق مستوى من عدم الاستقرار الداخلي الذي لا يمكن التنبؤ به، وبالنظر إلى هذا الوضع الداخلي فإن قدرة المملكة العربية السعودية على حماية نفسها من إيران غير واضحة، وقد أظهر السعوديون بالفعل حدود قوتهم الجوية في اليمن، وكان التوقع التاريخي هو أن البريطانيين أولا، ثم الأمريكيين، ضامنين للمملكة أمنها القومي، ولكن ذلك كان مطروح عندما كان الخليج مورد لا غنى عنه للنفط في العالم، إن سعر النفط آخذ في الانخفاض، ولكن من الأهمية بمكان أن تتضاعف مصادر النفط، بالإضافة إلى حرص المنتجين على بيعه، فالنفط السعودي هو ببساطة لم يعد حيويا كما في السابق.

يمكن للسعوديين اللجوء الى إسرائيل التي يمكن أن توفر بالتأكيد المعدات العسكرية، ولكن اسرائيل ترى بان تهديدها الحقيقي يأتي من إيران، وجيشها في الواقع صغير نسبياً وغير مصمم للعمل الخارجي على نطاق واسع، وبسبب حجم قوتها لا يمكن لإسرائيل القيام بحرب طويلة ومستنزفة من النوع الذي تحملته إيران في الثمانينيات. وبالتالي فإن الإيرانيين يمكن أن يهددوا إسرائيل باستراتيجية واحدة أخطرها: حرب الاستنزاف، إنها إمكانية بعيدة ولكن يجب على إسرائيل أن تنظر فيها. 

ببساطة، لا يمكن لإسرائيل أن تعد المملكة العربية السعودية أكثر بكثير من توفير العتاد العسكري، بغض النظر عما يقدمه السعوديون في المقابل، و لكن المشكلة ان الأعتدة العسكرية هي الشيء الوحيد الذي يتمتع به السعوديون بوفرة. ومع ذلك، فإن أكبر تهديد طويل الأمد لمصالح إيران يأتي من تركيا. حيث يواجه الأتراك مسألة جيوسياسية أساسية. عندما كان الإيرانيون محاصرين نسبياً، كانت تركيا قادرة على التركيز على شؤونها الداخلية، وليس المغامرة بعمق في سوريا أو العراق، لكن الآن، يجب على تركيا أن تقرر ما إذا كانت تستطيع أن تعيش مع إيران كقوة إقليمية كبرى، أم عليها أن تؤكد مطالباتها الخاصة بالمنطقة. تركيا من حيث الجغرافية والقدرات العسكرية يمكن أن تمنع إيران إذا اختارت التوسع على حساب المصالح التركية، لكن في الوقت الراهن تعمل تركيا مع إيران، لا سيما في القضايا الكردية. وفي نهاية المطاف، سيتعين على تركيا أن تختار بين القضية الكردية والقضية الاستراتيجية الواسعة. وسيحدد جزء من ذلك موقف الولايات المتحدة من مختلف الفصائل الكردية والرؤية الأمريكية للتعامل مع إيران.

 اختبار فك الارتباط الأمريكي

 الولايات المتحدة الامريكية قادرة على احتواء إيران ولكن فقط بواسطة قوة كبيرة،فالولايات المتحدة في حرب منذ عام 2001. وفي هذه المرحلة ليس لديها استراتيجية واضحة للشرق الأوسط. في العراق كان النهج الأمريكي هو منع كل من السنة والشيعة من السيطرة على البلاد، مع خفض عدد القوات الأمريكية هذا تركها في موقف الاضطرار إلى الاعتماد على قوات محلية التي تملك إيران نفوذا عليها لهزيمة تنظيم (داعش). في سوريا كانت الاستراتيجية الأميركية هي إنشاء قوة بديلة للإطاحة بالأسد، وقد فشل ذلك، ولا تزال الضمانات الأمريكية للمملكة العربية السعودية وإسرائيل قائمة، ولكن ما تعنيه هذه النقطة غير واضح، فليس هنالك حاجة لإسرائيل للمشاركة الأمريكية المباشرة إلا في ظل سيناريو الحرب الأكثر تطرفا، أما بالنسبة للسعوديين فإن الضمان الذي أعطته الِولايات المتحدة لها خلال عاصفة الصحراء كان يتعلق بوضع مختلف تماماً، ذلك ان انخفاض أسعار النفط وكمية المعروض منه، فإنه ليس من الواضح ما هو المقابل الذي تقدمه المملكة للضمانات الامريكية المطلوبة. من جهة اخرى فان الولايات المتحدة الامريكية ليست مهيأة للتعامل مع الواقع الجديد ، هذا الواقع الذي ساعد على خلقه الغزو الامريكي للعراق ومن ثم تركه، ودعم (الربيع العربي) في سوريا الذي تحول إلى كارثة، وقد أدت هذه السياسات الاميركية إلى ظهور تنظيم (داعش).

 ان مقاتلة تنظيم (داعش) بدوره فتح الباب أمام إيران لنفوذ اكبر في العراق وبدرجة أقل في سوريا، فلقد كانت واشنطن مهوسة بالقدرات النووية الإيرانية، ولم تتوقع أن تصبح القدرة التقليدية الإيرانية والنفوذ السياسي أكثر فاعلية، في هذه المرحلة، ليس من الواضح ما هي المصلحة الأمريكية في المنطقة وما هو الثمن المطلوب دفعه لمتابعة ذلك؟، إن الشرق الأوسط له شكل جديد وجذري، وفي الوقت الراهن، تم عودة إيران لتؤكد وجودها، مع ذلك لا يزال أمامها طريق طويل لتأكيد نفسها بانها قوة كبيرة، وبصرف النظر عن الولايات المتحدة، فإنها تواجه تحالفا محتملا من السعودية وإسرائيل وتركيا، ولكل منها نقاط ضعف، ولكن إيران تفعل ذلك أيضا، ويمكنهم معا إدارة المشكلة وربما على الأرجح لا ننسى الجهاديين السنة سواء الذين هزموا تحت ستار تنظيم (داعش) او غيرهم ، فقد تفرقوا فقط، ولم يستسلموا، وكانت إيران عدوتهم، وبالتالي يجب أن توضع الطفرة الإيرانية في سياقها، لقد غيرت ايران ديناميكية الشرق الأوسط لكنها لا تزال ضعيفة.

الآراء الواردة في المقالات والأبحاث لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

شارك على

اضف التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »