لماذا العالم غير مستقر؟ نهاية عصر ما بعد الحرب الباردة وأزمة النظام العالمي

Why Is the World So Unsettled ? The End of the Post-Cold War Era and the Crisis of Global Order

Hal Brands  –  Eric S. Edelman  . 2017

 وحدة الترجمة في مركز حوكمة للسياسات العامة

كتب هنري كيسنجر في عام 1968 قائلاً (( إن البيئة الدولية الحالية في حالة من الاضطراب ))، لأن عناصرها الأساسية كلها تتدفق في وقت واحد،وهذا التشخيص مناسباً تماماً فيما يتعلق بالنظام الدولي اليوم. ولا شك في أن إدارة ترامب ومن سيخلفها سيواجهون أزمات عديدة في السنوات القادمة بشأن مسائل عديدة تتضمن كل من علاقات القوى الكبرى و الانتشار النووي ومكافحة الإرهاب. إلا أن هذه التحديات تتمثل في وجود نظام دولي يتغير بطرق أساسية لا تعد ولا تحصى. ولا يزال هذا النظام يتسم بدرجة عالية نسبياً من الأولوية الأمريكية، خلافاً لما يدعي الكثير من المراقبين، فخلال فترة ما بعد الحرب الباردة، كانت الخصائص الأولية – والإيجابية عموما للشؤون الدولية يعزز بعضها بعضاً وفي هذه الحقبة أصبحت هذه العوامل المزعزعة للاستقرار تفاقم الاثار السلبية لبعضها البعض،فالأزمات هي أعراض شائعة للاضطرابات العميقة،ازمات اليوم وغدا هي أعراض التحول من عالم ما بعد الحرب الباردة إلى حقبة اكثر تنافس وتعارض واختلال. وستكون كل قضية من هذه القضايا المحددة هنا صعبة بما فيه الكفاية لحلها بمفردها والتعامل مع عودة روسيا أو إعادة بناء دعم محلي أقوى للعولمة الأمريكية، تحديات كبيرة في حد ذاتها تواجه وضع الولايات المتحدة الامريكية في التعامل بفعالية مع التفاعل الواسع النطاق بين التغييرات الهيكلية، عملياً اليوم ستكون مهمة تتجاوز أي رئاسة منفردة. تقديم توصيات سياسة مفصلة تماما لهذه المهمة هو خارج نطاق هذا المقال، الذي يهدف في المقام الأول إلى توفير التشخيص الذي يعتمد على وصفة طبية ناجحة. ولكننا سنقدم ثلاثة ابعاد

اولها: سيكون من الخطأ الفادح أن نرى التحديات الحالية على هذا النحو الساحق بحيث أنها تبرر التراجع إلى شيء مثل “الحصن الامريكي. شكل من أشكال التراجع أو “القارية” التي احتضنها العديد من مخططي الأمن القومي الأمريكي قبل الحرب العالمية الثانية. ولا يزال من السابق لأوانه القول بكل تأكيد أن الاتجاهات والتطورات الموصوفة ستثبت في نهاية المطاف أنها عابرة وستصبح عناصر هيكلية دائمة للنظام الدولي،وعلاوة على ذلك، فإن الانسحاب الأمريكي من النظام الدولي لن يخفف أو يعزل الأمريكيين عن الاضطراب في العمل،فإنه سيؤدي ببساطة إلى تفاقم الاتجاهات المقلقة ويزيد من احتمال أن تكون لهذه الاتجاهات في نهاية المطاف آثار مدمرة على الولايات المتحدة نفسها،وأخيرا، تحتفظ الولايات المتحدة الامريكية بالعديد من نقاط القوة النسبية على خصومها ومنافسيها، وما زالت نقاط القوة هذه تعطيها قدرة هائلة وإن كانت قليلة نسبيا على تشكيل النظام الدولي،انه فن الحنكة السياسية لصانعي القرار السياسي لاستغلال نقاط ضعف خصوم الولايات المتحدة الامريكية وتعظيم مزايا البلاد،ومع ذلك، يتطلب القيام بذلك حكما مسبقا بأن الحفاظ على أولوية الولايات المتحدة الامريكية – حتى نوع الأسبقية المتنازع عليها – يتطلب التزاما لغرض التأثير الفعال على الشؤون العالمية بدلا من التراجع عنها، ويبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس ترامب، الذي يبدو ان الخوف قد استملك انتباهه من نقاط ضعف أمريكا بدلا من نقاط القوة الكامنة فيها، على استعداد لتقديم مثل هذا الالتزام.

ثانيا، يتطلب القيام بهذا الالتزام مواجهة لمسألة ما إذا كان الجمهور الأمريكي هو نفسه على استعداد للحفاظ على هذا الدور أم لا، وهناك أسباب كثيرة ينبغي أن تكون على استعداد للقيام بذلك؛ كما تم مناقشتها في أماكن أخرى، فإن تكاليف الدور العالمي لأمريكا هي في الواقع بأسعار معقولة من حيث المعايير التاريخية، وهي أقل بكثير من التكاليف التي سيتعين على البلد دفعها في نهاية المطاف إذا انسحبت من المشاركة العالمية، ومع ذلك، فإن المزاج العام، اليوم، متناقض تماما – فهو يعطي مؤشرات على الارتياح العالمي، من جهة، ولكنه يظهر أيضا عدم الرضا عن الاضطراب الذي نتج عن الاتجاهات الموصوفة. ولا يزال يتعين النظر إلى ما إذا كان بالإمكان إعادة توطيد توافق الآراء الداعمة لإضفاء طابع دولي قوي على أمريكا. ومن الواضح أن مؤيدي هذا التقليد سيتعين عليهم العودة إلى المبادئ الأولى إذا عليهم أن يوفروا حالة مقنعة لمواصلة المشاركة؛يجب عليهم أن يعبروا مرة أخرى عن المنطق الأساسي للسياسات والترتيبات التي سلم بها الامريكيون ذو التوجه الدولي منذ زمن طويل. ويتطلب جعل هذه الحالة بدورها قيادة وطنية مستعدة للاعتراف والبرهان على قدرة الشعب الأمريكي والأمة الأمريكية على الصمود ،وهذا يعني أنه سيتطلب من القادة الذين يدركون ويراهنون على الأمور التي جعلت أمريكا دائما كبيرة في الماضي، ولا تزال تجعلها كبيرة اليوم.

ثالثا، وأخيرا، فإن تشخيص للحالة الراهنة سيتطلب الاعتراف بكامل ما تعارضه الولايات المتحدة. يشير التاريخ الكامل للقيادة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية إلى أن القيادة الأمريكية والنظام الدولي الليبرالي نفسه قادران على إصلاح وتجديد أنفسهم عند الضرورة،والواقع أن الولايات المتحدة وشركائها الجيوسياسيين قد انتعشوا بنجاح من حالات تبدو أسوأ بكثير، كما كان الحال في السبعينيات،ولكن كما قلنا، فإن القيام بذلك مرة أخرى اليوم سيتطلب أكثر من اتباع سياسات محددة تركز على  مشاكل سياسية معينة. وسيتطلب ذلك، ربما قبل كل شيء، تشكيل مفهوم أوسع نطاقا لمدى تغير السياسات العالمية منذ أوائل مرحلة ما بعد الحرب الباردة والطريقة التي تتجذر فيها قضايا أو مخاطر معينة في هذا التحول الهيكلي الأكبر،فبمجرد الانتهاء من العمل الفكري للتشخيص الدقيق لطبيعة البيئة الدولية الحالية، يمكن أن يستمر العمل السياسي الأساسي – والإقناع السياسي – المطلوبان للتصدي بصورة بناءة لتحدياته. في مجال السياسة الخارجية “، كتب كيسنجر قبل ما يقرب من نصف قرن،((لن نكون قادرين على المساهمة في بناء نظام عالمي مستقر وخلاق ما لم نشكل أولاً مفهومه )). إن ضرورة مثل هذه المشاركة الفكرية المكثفة والشاملة هي شيئاً ملح اليوم.

الآراء الواردة في المقالات والأبحاث لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

شارك على

اضف التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »