دوامة الاصلاح السياسي في العراق

 الإصلاح  في أبسط مفاهيمه يعني السعي نحو احداث تغييرات اساسية تصب في خدمة المجتمع, وهو نقيض مصطلح الثورة التي هدفها التغيير الجذري لكل شيء, أو الأنقلاب , و أيا كان مدلول مفهوم الاصلاح فلا نود الخوض في غمار بيان ماهيته .

فهذا المفهوم بحد ذاته يعاني من إشكالية في التطبيق حيث إن مايواجه العراق وغيره من الدول التي تمر بمرحلة الانتقال الديمقراطي , أنها تخضع الإصلاح كتسمية وكمشروع لغايات محددة , أو في خانة واحدة , تخدم توجهات الأحزاب والقوى السياسية المتنفذة , و السعي الحثيث لأن يكون مشروع الإصلاح ورقة رابحة , و ورقة ضغط من جهات معينة ظاهرها بأنها تسعى لخدمة الشعب وضمان حقوقه وحرياته , ولكن خلف الكواليس حيث منابع الفساد الاساسية فهي تسعى لتسلق السلطة من أجل السيطرة على مقدرات البلد.

ان الاصلاح السياسي في العراق بدأ بدعوات عدة مع انه انتشر بشكل بارز بعد العام 2013 في ظل السعي لإقالة الحكومة آنذاك , تحت ذريعة الفساد الاداري والتفرد بالسلطة وغيرها من الذرائع, وباتت الحجة في ذلك نتائج الانتخابات لعام 2010, وتشكيل حكومة  بتحالفات خالفت التوقعات , وباتت بمثابة الضربة القاضية للكثير من الكتل التي كانت تعول على التغيير والإتيان بكيانات وشخصيات جديدة للحكم, في هذا السياق تصاعدت دعوات الاصلاح التي تبنتها كتل عدة , وكان معروفاً لدى المتابعين بأن العديد ممن نصبوا انفسهم ب ( مؤيدي الاصلاح, أنصار الاصلاح) وغيرها من التسميات البراقة , لم يكونوا بمنأى عن شبهات الفساد و واقع المحاصصة .

ولكي نكون اكثر واقعية , سنقدم رؤية وإستقراء سياسي تحليلي لهذه الدعوات  والحلول المقترحة لها من خلال عدة نقاط وهي:-

  • – إن اولى الاخطاء لهذه الدعوات انها إقتصرت على الاصلاح السياسي , في حين نحن بحاجة اكثر إلى اصلاح مجتمعي لواقع المجتمع العراقي بسبب انتشار الفساد والرشوة والجريمة والظواهر السلبية في المجتمع , مع ان مدرسة التحليل النظمي في العلوم السياسية ترى إن الاصلاح السياسي إذا ماتم فإنه سينعكس ايجابا على المجتمع كون النظام السياسي هو محور تفاعل وتكامل باقي أنظمة المجتمع, ولكن في العراق ان اردنا تطبيق ذلك حتما سنفشل لأن الشخصيات التي خرجت من رحم المجتمع وتسلقت الى السلطة لاتملك العديد من  مقومات الوعي السياسي والقانوني لبناء دولة , أو حتى معالجة مشكلات المجتمع بكافة انواعها , لذلك حري بالمؤسسات في العراق ان تركز على الاصلاح المجتمعي والأسري خصوصا , وتطوير فعاليات المجتمع , والاهتمام بالتعليم وتطويره , والسعي لبث قيم التسامح والألفة.
  • – إن من ابرز الهفوات في هذه الدعوات هو إن الشخصيات والكيانات التي شاركت وأسست للحكومات المتعاقبة نراها تتصدى لهذه الدعوات وتقول ( نحن ضد الفساد , ونحن ضد التشبث بالسلطة وسرقة المال العام؟؟؟؟ ) , وهو ما يناقض واقع الحال الذي وصل له العراق من الازمات والمشاكل التي اهلكت البلاد اقتصاديا ومجتمعيا وسياسيا ؟.
  •  – إن الشخصيات التي باتت تلعب على حبل (الإصلاح) البعض منها كان قد أتهم مسبقا بقضايا أرهاب وفساد , والبعض منهم مشمولون بإجراءات هيئة المسائلة والعدالة! , فكيف لمن تلطخت ايديه بدماء العراقيين ومن سلبهم اموالهم , وكيف بمن كان سببا في هلاك الكثيرين في آبان النظام السابق , أن يكونوا هم رعاة الاصلاح ومن ينادون بكرامة المواطن العراقي .
  •  – مايدعو للدهشة بأن دعوات الاصلاح بدأت من خلال اصحاب التوجهات المدنية , ولكن دخول احزاب وشخصيات دينية على خط الاصلاح اربك مساعي الاصلاح لا بل جير اهداف الاصلاحيين نحو تحقيق مايصبون اليه , وهو بشكل أساسي ينصب حول التسلق للسلطة وهذا هو ديدن الجميع في ظل الأزمات في العراق والفوضى المجتمعية الهائلة.
  •  – أكبر المشاكل التي تعترض مسيرة الاصلاح هو غياب الوعي المجتمعي للمطالب الحقيقية , وحتى ان وجدت هذه المطالب فأنها تفتقر لأليات فعالة لإنجاح التوجهات الاصلاحية , مما سيؤدي دون ذلك الى أن تبقى في خانة المطالب , وتبقى في صندوق مظلم تمر عليه فصول السنة تباعا دون أن يرى النور ويحقق آمال العراقيين في عراق آمن يعيش فيه الجميع بمودة وألفة وتوحد.

التوجهات الإصلاحية مستمرة وقد تطورت بعد 2015 لتكون على شكل تظاهرات البعض منها كان فعلا , والبعض منها كان هامشيا , إذا ما اراد قياديو الإصلاح السياسي حسب مايدعون ذلك , يتوجب عليهم ان ينهضوا بالمجتمع وإصلاحه وأن يراجعوا انفسهم في ماضي بعض الشخصيات , وليعلموا ان المواطن العراقي واعي, وهنا اركز على تسمية الواعي بمعنى أنه يدرك حجم الفساد والشخصيات الفاسدة التي تحاول ان تجعل من الدعوات الاصلاحية مثل آلة تصفي سلبياته الكبيرة.

  • –  كلنا امل ان ترى هذه الدعوات النور وتطبق فعليا, ومن اطراف همها الحفاظ على المجتمع لا همها التسقيط السياسي أو السعي لإزاحة الحزب الفلاني أو الشخص الفلاني, وكلمة ((الإصلاح)) نود ان تكون فعلية وواقعية, وإذا ما أصبحت كذلك سنرى ان المواطن العراقي الواعي والمثقف والمحب لوطنه لن يتوان عن دعم هذه التوجهات , ويساعد الشخصيات الوطنية المستقلة ذات الكفائة والعلمية , وكل حسب اختصاصه في المكان الذي يستحق, فالعراق يستحق منا ان نقف الى جانبه دوما , والسعي لكي يتعافى من آفة الفساد والإنقسام التي ولدها الفساد السياسي المستشري في النظام السياسي العراقي.
  • –  أما فيما يخص طرح الحلول الناجعة والعملية لهذه الإشكالية فحن نرى بأن الإصلاح الحقيقي يحتاج لمقومات عدة منها:-

1 – التحديث السياسي في النخبة الحاكمة, من خلال إرادة الشعب ووعيه في إختيار شخصيات يمكن ان تنهض فعليا بهذا البلد.

2 – الإبتعاد عن التقوقع في دائرة إنتخاب لمن يمثل القومية أو العشيرة أو المذهب أذا ما كنا نسعى لتحقيق دولة المواطنة الحقيقية التي يشترك فيها الجميع.

3 – تفعيل المشاركة السياسية الحقيقية للجميع وتحديدا النخب الواعية والمثقفة من أجل تحقيق الإصلاح المرجو.

4 – احترام القانون وسيادته والسعي لتطبيقه الحقيقي فمن شروط تحقيق الإصلاح بكافة اشكاله هو احترام القانون والمؤسسات في الدولة.

5 – تفعيل دور الشباب العراقي في مدى النهوض وتحقيق الاصلاح المجتمعي من خلال دعم الحكومة للفرق التطوعية ومنظمات المجتمع المدني .

6 – الإهتمام بمفاصل وزارة التعليم العالي والجامعات العراقية بماهية التنمية البشرية وكيفية تحقيقها ايمانا منا بدور الطالب الجامعي العراقي بعلمه وإدراكه لحجم ما يواجه بلده.

7 – عدم التركيز فقط على قضية الإصلاح السياسي والمطالبة بها بين حين وآخر , فالإصلاح المجتمعي هو الاساس , لذلك في الواقع العملي إذا ما اردنا ان ننهض بالنظام السياسي ونصلحه علينا اولا أن نؤسس لإصلاح بنية المجتمع المتضررة من ويلات الحروب والنزاعات والطائفية التي زرعتها نخبة السلطة في العراق.

8 – نرى بدورنا إن من يدعوا للإصلاح السياسي او الإجتماعي وهو لا زال مشاركا في عملية سياسية اثبتت فشلها الذريع واودت ببلدنا نحو شفير الهاوية, قمثل هكذا شخصيات او احزاب هي لا تمت للإصلاح صلة ولا يمكن تحيق أصلاح الحقيقي بمثل هكذا شخصيات اعتادت على سرقة اموال الشعب والتمسك بالكرسي.

 

     أ. أحمد صادق المندلاوي 

 

المقال المنشور لا يمثل بالضرورة رأي مركز حوكمة للسياسات العامة 

 

شارك على

اضف التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »