دوافع تزايد الاهتمام الامريكي في محافظة الانبار بعد التحرير

لطالما كان سكان محافظة الانبار من أشد الرافضين للوجود الامريكي في العراق بعد عام 2003 وحتى انسحاب القوات الامريكية بموجب الاتفاقية الامنية في عام 2011 , وان كان البعض من السكان رحب بالامريكيين وانتهى نتاج هذا الترحيب بإنتاج مجالس الصحوات التي أسسها دايفيد بترايوس عبر تحالفه مع بعض شيوخ العشائر الذين مدهم بالمال والسلاح وهو ما أدى الى القضاء على تنظيم القاعدة في عام 2008 , إلا ان الكثير من السكان قد وصفوا هؤلاء المتعاونين مع الامريكان بأوصاف الخونة والعملاء بسبب تعاونهم بالامريكان ، واستمر هذا الامتعاض حتى عام 2014 , وعند احتلال داعش لمحافظة الانبار وغيرها من المحافظات الاخرى تغيرت وجهة نظر السكان اتجاه الولايات المتحدة الامريكية لتشهد بعد ذلك العام وعند قيام الولايات المتحدة الامريكية بتشكيل تحالف دولي للقضاء على تنظيم داعش ظهر الترحيب الشعبي بالولايات المتحدة الامريكية , وقد تمثلت نتائج هذا الترحيب عبر وجود مستشارين امريكيين في قاعدة الاسد , وقوات اخرى في مطار الحبانية ، كما عقدت الولايات الامريكية اتفاقية امنية مع الحكومة العراقية تسمح بموجبها للشركات الامنية الامريكية بحماية الطريق الدولي بين العراق والاردن والذي يمر بمحافظة الانبار ، فما هي الدوافع التي تقع خلف ذلك الاهتمام ..؟

أولاً : الدوافع الجغرافية : تعد محافظة الانبار من اكبر المحافظات العراقية مساحة أي انها تشكل ثلث مساحة العراق ، تتميز بموقع جغرافي مهم حيث تحيط بها ثلاث دول وهي الاردن والمملكة العربية السعودية وسوريا ومع كل دولة من هذه الدول توجد منافذ حدودية مهمة ، كما تحيط بها داخلياً ثلاث محافظات وهي العاصمة بغداد ومحافظة كربلاء ومحافظة صلاح الدين . ومن ثم فان وجود امريكي فعال في المحافظة يعني وجوداً امريكياً بالقرب من الدول الثلاث التي تحاذي حدودها , كما يعني وجوداً داخلياً في المحافظات التي تحيط بها .

 ثانياً : الدوافع السياسية : تريد الولايات المتحدة الامريكية من خلال تواجدها في محافظة الانبار تحقيق عدة اهداف منها ، إيقاف التمدد الإيراني في مناطق الثقل السني ، كما تريد منع التواصل البري مع سوريا ولبنان وصولاً الى البحر المتوسط التي تريد إيران من خلال حلفائها على الارض الوصول اليه ورسم طريق الحرير الذي تسعى له إيران ، وكذلك تطمح الولايات المتحدة الامريكية حماية حلفائها التقليديين (كالمملكة العربية السعودية والاردن ) حيث وصل النفوذ الأيراني الى الحدود العراقية _ السعودية وتحديداً في منطقة النخيب التابعة لمحافظة الانبار ، وكذلك منع النفوذ الإيراني من الوصول الى الاردن عبر إتفاقية حماية الطريق الدولي من قبل شركات أمنية امريكية والتي أشرنا إليها سابقاً .

ثالثاً :الدوافع الاقتصادية : توجد في محافظة الانبار ثروات كبيرة بعضها مكتشف لكنه غير مستثمر والبعض الاخر لا زال قيد الاستكشاف ، حيث تضم الانبار (53) تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي , وقد تمثل ذلك في اكتشاف احتياطي ضخم من النفط الخام والغاز في (حقل عكاز ) جنوب مدينة القائم , وقد شمل هذا الحقل بجولات التراخيص لكن لم يتم الاتفاق مع الشركة الكورية حول استثماره ، كما يتوقع خبراء النفط وجوده في صحراء الانبار بما يقارب (300 ) مليار برميل من النفط الخام , كما توجد فيها الثروات المعدنية (كالكبريت والفوسفات ومعادن اخرى) ، ويضم العراق اكبر احتياطي في العالم من الكبريت والثاني من الفوسفات بعد المغرب , وتعد الانبار الاولى من المحافظات العراقية التي توجد فيها هذه الثروات ، وبما أن الولايات المتحدة الامريكية تسعى الى الاطباق على مصادر الطاقة في العالم ، لأهمية مصادر الطاقة التي تمنحها الاستمرارية في زعامة العالم وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد للولايات المتحدة الامريكية بهذه المحافظة .

رابعاً : الدوافع الاجتماعية : تشكل محافظة الانبار العمود الفقري ان اجاز لنا التعبير للطائفة السنية في العراق , وقد شكلت الطائفة السنية تمرداً ورفضاً للوجود الامريكي في العراق انطلاقا من هذه المحافظة ، وتريد الولايات المتحدة كسب التأييد السني لها من خلال هذه المحافظة ودمجها مع سياساتها في المنطقة في المستقبل بالشكل الذي لا تواجه مشاريعها بالرفض وذلك عن طريق صناعة نخبة ذات طابع عشائري تمدها ماديا وتستثمر مواردها في بناء البنى التحتية لتحقيق نمو اقتصادي كما فعلت مع دول الخليج واقليم كردستان مما يعني ان الولايات المتحدة الامريكية تريد كسب التأييد الشعبي السني لها في خدمه مشاريعها المستقبلية في المنطقة .

خامساً : الدوافع الأمنية : ان أستتباب الأوضاع الامنية في هذه المحافظة هي بالإساس مصلحة امريكية الغاية منها البدء بمشاريع الاستثمار التي لا يمكن البدء فيها إلا عند استقرار الاوضاع الامنية فيها ، كما أن محافظة الانبار تعد معقل الجماعات الاصولية وذلك بحكم صحرائها الواسعة ، فضلا عن البيئة التي كانت متوفرة انذاك عند الاحتلال الامريكي عام 2003 ، وبالتالي ان الوجود الامريكي فيها هو للقضاء على هذه الجماعات  .

 

أ.شجاع محمود

 

المقالات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي مركز حوكمة للسياسات العامة 

شارك على

اضف التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »