جورج فريدمان : هناك خطر جيوبولتيكي يكمن وراء ارتفاع اسعار النفط

George Friedman and Xander Snyder

? Is Geopolitical Risk Behind Rising Oil Prices

وحدة الترجمة في مركز حوكمة للسياسات العامة تقدم – هل هنالك خطر جيوبولتيكي يكمن وراء ارتفاع اسعار النفط ؟ 

في نهاية شهر تشرين الاول سنة 2017 ، تجاوزت أسعار خام برنت 60 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ عامين،ولقد واستمرت اسعار  النفط بالارتفاع، وبلغت ذروتها لتصل 64 دولار. ولقد فسر الخبراء اسباب الارتفاع مع إشارات غامضة للمخاطر الجيوبولتكية دون أي تحديد بالتفصيل ما تنطوي عليه تلك المخاطر،هذه التفسيرات ليست خاطئة،لكنها مهملة ويتطلب تقييم المخاطر الجيوبولتكية المناسبة تجاوز الجانب الصياغي وتطوير فهم للعوامل الاقتصادية والسياسية والعسكرية ذات الصلة.

تهديدات العرض (مخاطر تجهيز النفط ) .

 على مدى أسابيع، تم ذكر اثر التطورات في المملكة العربية السعودية على أسواق النفط. كل ذلك يعود إلى التنافس بين المملكة العربية السعودية وإيران، وهو التنافس الذي يؤثر في جميع أنحاء المنطقة، في اليمن ولبنان والعراق وسوريا وغيرها. وفي مطلع تشرين الثاني 2017 ، اطلق الحوثيون، وهم مجموعة من المسلحين الشيعة المدعومين من ايران الذين يقاتلون السعودية في اليمن، صاروخا على الرياض واتهم السعوديون الايرانيين بتزويدهم بالصاروخ. ثم ادعت الرياض ان لبنان اعلنت الحرب على السعودية واجبرت رئيس الوزراء اللبناني الذي كان في الرياض في حينه على الاستقالة. وتتأثر السياسة اللبنانية بشكل كبير بحزب الله، وهو مجموعة شبه عسكرية ذات روابط قوية مع إيران. (وفي الوقت نفسه، بدأ الملك السعودي وولي العهد القبض على منافسيه المحتملين على العرش).

  تحاول المملكة العربية السعودية ابقاء ايران مشغولة بحيث لاتستطيع كسب المزيد من تأثيرها في سوريا، في وقت  الذي خسرت فيه ما يطلق عليها الدولة الاسلامية جميع الاراضي التي تسيطر عليها تقريباً،يعارض السعويون السعي الايراني لتطوير جسر بري يربطهم بالبحر المتوسط من خلال العراق وسوريا ولبنان  كون ذلك لايهدد فقط أمن المملكة من الشمال ولكن يمكن ايران من الوصول الى البحر المتوسط وبالتالي قدرة اكبر على تصدير النفط الى اوربا.

 ماذا يفعل هذا باسعار النفط ؟ في سياق صراعهم، يمكن لإيران والسعودية تدمير البنية التحتية، مما يؤثر على قدرة منتجي النفط على تجهيز السوق. ما مدى احتمال ذلك ؟ وبقدر كبير من الجهد، يمكن أن يؤدي وكلاء ايران إلى إلحاق الضرر بجزء صغير من البنية التحتية في المملكة العربية السعودية، لكنهم لن يتمكنوا من مواجهة السعودية في معركة شاملة. وعلى الجانب الآخر، في حال تنفيذ بعض المتطرفين السنة هجمات إرهابية في إيران، فإن قدرتهم على تدمير البنية التحتية النفطية الإيرانية تكون محدودة.

وهناك حدث آخر من شأنه أن يحد من إمدادات النفط يتمثل باندلاع حرب برية بين إيران والمملكة العربية السعودية. هذا أمر مستبعد جدا. ولايمكن لايران السيطرة على  الاراضي التى تحتاجها لتوفير اي نوع من المجهود الحربي فى السعودية، وان القوات السعودية ستواجه صعوبة من اجل التغلب على جبال زاجروس التى تحمي الجناح الغربى لايران. يمكن للتكنولوجيا الحديثة التغلب على بعض الحواجز الجغرافية، ولكن للسيطرة على الأراضي، يجب نقل الرجال والآلات إليها، والجبال هي أماكن صعبة للحفاظ على خطوط الإمداد.

  التوقيت أيضا ليس جيدا لأي من الجانبين لبدء الحرب. إن إيران بدأت للتو في جني الفوائد الاقتصادية بعد رفع العقوبات الدولية عنها في سنة 2015. تواجه السعودية مشاكل كثيرة جدا في الداخل، ناهيك عن الحرب في اليمن.

 وهناك طريقة أخرى يمكن أن تقيد بها هذه الأحداث إمدادات النفط إذا كانت إيران ستفرض او تزرع الالغام في الخليج الفارسي عند مضيق هرمز. وهذا أيضا غير مرجح. وهو يمثل موقفا ًعلنيا للحرب، وسيجبر البلدان التي تعتمد على النفط السعودي على أن تكون طرفا في نزاع تعتبر فيه إيران المعتدي.

   وبدلا من ذلك، لجأت إيران إلى تمويل  الحوثيون  في باب المندب على الجانب الغربي من شبه الجزيرة العربية. وهذا يعطي إيران درجة من الانكار في حين لا تزال تعرقل، وإن لم تتوقف، سفن النقل من مغادرة خليج عدن،كما أنها لا تعرقل الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية على الخليج الفارسي. وسيكون من الصعب على الحوثيين أن يلغموا الخليج الفارسي لأنهم ليس لديهم قاعدة في عمان.

   وينبغي النظر في هذه العوامل عند بناء صورة شاملة عن المخاطر الجيوبولتكية،ليس كافيا أن نشير بشكل غامض إلى المخاطر الجيوبولتكية؛ يجب أن تكون السيناريوهات المحتملة ملموسة بما فيه الكفاية للسماح بتقييم احتمالها. في المثال السعودي، بمجرد النظر بجدية في آثار هذه التطورات، لا يبدو أن المخاطر الجيوبولتكية تتغير بشكل كبير.

دورة الأعمال

 ولكن إذا كانت الأحداث المحيطة بالمملكة العربية السعودية لا تزيد بشكل كبير من خطر على إمدادات النفط، ما الذي يفسر الزيادة في أسعار النفط؟وبالنسبة للمبتدئين، قامت أوبك مؤخرا بتخفيض الإمدادات بينما ظل الطلب قويا. على الرغم من أن الإنتاج الصخري الأمريكي على المدى الطويل يوازن الاستراتيجية التي اتبعتها أوبك لعقود،على المدى القصير هناك عوامل تمنع الحفريات الصخرية من التوسع وفقاً لما شهدته على مدى السنوات القليلة الماضية.

   عندما كان سعر النفط فوق 100 دولار للبرميل، يمكن أن يتوسع الحفر الصخري ، حيث أن هامش الربح كان واسع بما فيه الكفاية للحفاظ على النمو. وأدى الإقراض إلى توسع التمويل الصناعة. وأدى التقدم في التكنولوجيا إلى زيادة الكمية التي يمكن أن ينتجها كل بئر، مما يجعل كمية النفط التي يمكن أن يوفرها الحفر الصخري للسوق أعلى من ذلك. ولكن عندما انخفضت الأسعار، بدأت شركات الحفر الصخري في التراجع عن سداد قروضها وإفلاسها.

  ولا تزال حالات الإفلاس مستمرة، ويجبر الحفارون على التركيز على الربحية بدلا من النمو وقد زادت بعض تكاليف المدخلات (مثل التكسير واستحواذ على الأراضي)، مما زاد من ضغط هوامش الحفر. . ومن شأن ارتفاع أسعار الفائدة – والذي يبدو أكثر احتمالا بالنظر إلى أن مجلس الاحتياطي الاتحادي قد بدأ بالفعل في تقليص ميزانيته العمومية – أن يضع المزيد من الضغوط على الشركات ذات الديون المتغيرة. وعلى الرغم من كل ذلك، فإن التقدم في تكنولوجيا الحفر يستمر في رفع غلة البئر – مما يضع ضغطا هبوطيا على تكاليف التعادل – ومازالت أسعار النفط المرتفعة ترفع مد الربحية لجميع شركات الحفر. التمويل هو عمل دوري، ويتوسع الإقراض عندما تظهر الأرباح بسهولة أكبر وتحد عندما تجد المؤسسات غير المنتجة ديونها غير صالحة للاستعمال. ومع خروج الشركات من قطاع الأعمال، تنخفض المعروضات من النفط، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الأرباح للشركات القادرة على الاستمرار في العمل . في نهاية المطاف، الشركات الكفوءة  التي تبدأ النمو مرة أخرى، تسعى إلى المزيد من الإقراض وبدء دورة التوسع في جميع الاتجاهات مرة أخرى. ومن ثم لا يمكن تفسير ارتفاع أسعار النفط فقط بالأحداث في الشرق الأوسط أو بتخفيضات أوبك.بل طبيعة التداخل بين تقليل الانتاج عبر منظمة اوبك  وصعوبة توسيع الحفريات الصخرية على المدى القريب، هذه القيود لاتغير الدور الاساسي لشركات الحفر الصخري في السوق النفط العالمي. وان تقنيات الحفر الحديثة مستمرة في خفض الاسعار، والمزيد من شركات الحفر ستحقق ارباحها بارتفاع اسعار النفط وبذلك تزداد كميات النفط المجهز الى الاسواق وتنخفض تكاليف الحفر.

  وكما هو الحال في تحليل الأعمال، لا يكفي الاعتراف بأن الأحداث العالمية مدفوعة بأكثر من الاعتبارات المالية. يتطلب تحليل المخاطر الجيوبولتكية الحقيقية الغوص أعمق في ما يدفع الظواهر الجيوبولتكية.

الآراء الواردة في المقالات والأبحاث لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

شارك على

اضف التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »