المفتقد في الانتقال الديمقراطي :- سياسات مواجهة العنف الاسري

العنف الأسري هو مشكلة عالمية ، ويؤثر سلبا على النساء خارج الضرر المباشر الناجم عن العنف. كما أنه يحد من قدرة المرأة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لأن ذلك سيقيد خياراتها بصورة مباشرة أوغير مباشرة , وكثيرا ما يقيد المعتدون بشكل مباشر خيارات الضحايا باستخدام العنف أو التهديد بالعنف للإكراه على الامتثال لقراراتهم. ويمكن للعنف أن يؤثر بشكل غير مباشر على القدرة الاقتصادية للمرأة بفقدانها للدخل عندما تفقد العمل بسبب العنف , كما أشارت دراسة أجريت في الولايات المتحدة إلى أن العنف المنزلي له تأثير كبير على استخدام خدمات الرعاية الصحية والتكاليف الناجمة عنه, ويؤثر العنف المنزلي سلبا على الفرد والمجتمع. وبالمقابل يؤدي انخفاض العنف المنزلي إلى زيادة القدرة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمرأة، التي ستحقق فوائد طويلة الأجل على المستويين الجزئي والكلي .

عرفت الجمعية العامة للأمم المتحدة العنف الاسري بأنه مجموعة من الأفعال القسرية جنسيا ونفسيا وجسديا تستخدم ضد البالغات والمراهقات من قبل الشريك الحميم  السابق أو الحالي / الزوج بدون موافقتها , ويمكن أن نضيف لهذا التعريف في ضوء الثقافة والمجتمع العربي ( الاخ والابن و الرجال من الاقارب ) .

وقد أدى الاهتمام المتزايد بالعنف الأسري إلى عدة نظريات حول الكيفية التي يمكن من خلالها أن يؤدي العمل الحكومي إلى خفض العنف الاسري وتحسين وضع المرأة. ومع ذلك، فإن هذه النظريات قد أهملت حتى الآن تحليل ما سيحفز الحكومة على انتهاج تلك السياسات والتشريعات .

السياسات المتبعة

يمكن أن تشمل تشريعات العنف الاسري مجموعة متنوعة من التدابير المختلفة لحماية المرأة. مثل تجريم العنف المنزلي عن طريق إدخال تغييرات على قانون العقوبات، وتدريب الشرطة ومقدمي الخدمات على العمل مع الناجيات من العنف الاسري , الا أن هناك اختلافات كثيرة تحيط  بمعيار الأدلة المطلوبة وشدة العقوبة , وبالإضافة إلى خلق خيارات قانونية، توفر العديد من الدول أشكال الدعم الأخرى للناجيات من العنف الاسري. فعلى سبيل المثال، تقدم بعض الدول خطوطا هاتفية ساخنة مجانية ، والملاجئ والخدمات الطبية .. الخ .

العوامل السياسية

تتضمن هذه العوامل محوران رئيسيان هما الهيكل الحكومي (نوع النظام)  , ودور المرأة في الحكومة , بما ينعكس على الاستجابات السياسية للعنف المنزلي , وعلى وجه التحديد، فإن الديمقراطيات أكثر استجابة لمواجهة العنف الاسري، لأنها تمنح حقوقا أكثرفيما يتعلق بذلك من الانظمة غير الديمقراطية , وبما أن المرأة ممثلة على نحو أفضل في الحكومة، فإن التشريع أكثر احتمالا , وهذا يرتبط بعاملين. أولا، إن الحكومات التي تضم عددا كبيرا من النساء تدعم بالفعل حقوقهن، ويزيد احتمال ذلك الدعم من خلال إجراءات تشريعية بشأن قضايا رئيسية مثل العنف العائلي. وثانيا، عندما تكون المرأة في الحكومة، يرجح أن تدفع إلى تشريعات لزيادة تمكين المرأة.

ويصدق ذلك بوجه خاص عندما توجد مكاتب أو وكالات حكومية تكرس للمرأة على وجه التحديد وتكون مدعومة بشكل كاف , لذا فأن التشريعات ستكون غير فعالة بين الدول التي تفتقر إما إلى القدرة السياسية أو الإرادة السياسية. وكثيرا ما تفتقر الدول التي لا تتمتع بقدرات سياسية إلى الميزانية أو الهياكل الأساسية اللازمة لتنفيذ القانون، وبالتالي فإن التغييرات في السياسات لا تؤثر تأثيرا جوهريا على معدلات العنف المنزلي . وبموازاة ذلك ومن جانب أخر، فإن الدول التي أصدرت تشريعات كرد فعل على الضغط أو الإكراه قد تفتقر إلى الإرادة السياسية لتنفيذ التشريعات بما يجعلها غير فعالة  .

وبالإضافة إلى العوامل السياسية المحلية ، قد تؤثر الجهات الفاعلة الدولية أيضا على القرارات الحكومية في هذا الصدد , وبما أن حقوق المرأة قد أصبحت قضية ملحة دوليا، فقد أنشئت معاهدات وأتخذت قرارات دولية لحقوق الإنسان تستهدف المرأة , أن زيادة المعاهدات والقرارات الدولية التي تتناول حقوق المرأة قد تزامنت مع زيادة عدد الدول التي لديها تشريعات بشأن العنف العائلي مما يدلل على أن تلك المعاهدات  والقرارات الدولية قد أثرت على الدول في تبني سلوكيات جديدة , ومع ذلك، فأن هناك مؤشرات عديدة تؤكد على أن الدول تتخذ شكليا الالتزامات المطلوبة بموجب الاتفاقات الدولية, لأن تنفيذ المعاهدات الدولية أمر بالغ الصعوبة للعديد من الدول ، لذا فمن السهل على تلك الدول التصديق على معاهدة دون تنفيذها , حيث تستخدم معاهدات حقوق الإنسان للإشارة إلى أن الدولة تدعم حقوق الإنسان، ويمكن للدول الاستفادة من هذا الامر بعدة طرق , منها فرصة حصول تلك الدول على مساعدات دولية بنسبة أكبر , ومع ذلك ، ولأنه من الصعب إنفاذ معاهدة أو رصد تقدم الدولة في تنفيذها ، لا يتعين على الدولة أن تتخذ خطوات ملموسة لتعديل سلوكها , لذا فأنه من غير المرجح أن يكون للتصديق على معاهدة دولية تتعلق بحقوق المرأة أثر على السلوك السياسي المحلي أو على قرار حكومي بإصدار تشريع يتعلق بالعنف الأسري . وكمثل على ذلك  اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة – سيداو –  حيث صدقت عليها احدى الدول التي كانت معادية لحقوق المرأة مثل المملكة العربية السعودية ، في حين أن دولا ترعى حقوق الانسان مثل الولايات المتحدة لم تصدق على هذه الاتفاقية  .

العوامل الاقتصادية

تضمن تقرير اليونيسف عام 2000 , والتقرير السنوي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة لعام 2011 -2012 دراسة عن  الأسباب الاقتصادية الجزئية للعنف الأسري ,  وخلصت إلى أن مستويات التعليم المنخفضة والفرص الاقتصادية المحدودة للنساء ترتبط بارتفاع معدلات العنف الأسري . لذا فقد عرقل هذان العاملان قدرة المرأة ، وهو ما حافظ على دورة العنف المنزلي على المستويين الفردي والمجتمعي , وبالإضافة إلى ذلك، فإن دراسة أجريت في الولايات المتحدة الامريكية حول العنف الأسري توضح أن تحسين الفرص الاقتصادية يمكن أن تقلل من العنف الأسري , حيث يسمح زيادة القدرة الاقتصادية للمرأة بتأمين استقلالها المالي أو تحسينه، فأذا ما تمتعت المرأة بقدر أكبر من التمكين، فإن لديها المزيد من الخيارات وتقل احتمالات تحملهاالعنف الأسري , الا أن هناك فجوة زمنية بين زيادة فرص حصول المرأة على التعليم والعمالة وبين انخفاض معدلات العنف ، وفي انتضار  حدوث هذا التحول، قد تدفع حركات حقوق المرأة بشكل جماعي الحكومة إلى معالجة هذه القضية على المستوى الوطني والتي بدورها قد تؤثر على قرارها بإصدار قانون , وهذا يعني أنه كلما كانت المرأة أكثر تمكينا على المستوى الفردي ، فإنها تستطيع أن تنظم وتدفع بشكل جماعي من أجل الاجراءات والسياسات الحكومية .

وخلصت تقارير الأمم المتحدة إلى أن الوضع العام للاقتصاد الكلي في البلاد يرتبط ارتباطا وثيقا بمعدلات العنف الأسري, حيث أن البلدان الأكثر تقدما من الناحية الاقتصادية لديها معدلات أقل من العنف الأسري . من جانب أخر وجدت الدراسات أن توفير الحكومة للسلع والخدمات العامة للناجيات من العنف الأسري يرتبط بانخفاض مستويات ذلك العنف. ومن المرجح أن توفر الدول المتقدمة اقتصاديا هذه الخدمات العامة التي ترتبط بمستويات أقل من العنف الأسري .

وغالبا ما تنشأ اللوائح المتعلقة بالميزانية وتوزيع هذه الموارد من خلال التشريع، وبالتالي، فمن المرجح أن يكون لدى الدول المتقدمة اقتصاديا قوانين العنف الأسري . لذا فأن الصلة بين وضع الاقتصاد الكلي للدول واحتمال سن التشريعات أكثر مباشرة من الصلة بين التعليم والعمالة والعنف الأسري  التي نوقشت أعلاه. ولكن زيادة فرص الحصول على فرص العمل والتعليم قد يكون لها آثار مماثلة، على الرغم من أن الإطار الزمني سيكون على الأرجح أطول.

 

العوامل الثقافية

تعد الثقافة عاملا هاما ، لأنها تشكل وتؤطر التنشئة الاجتماعية على الصعيد الفردي وعلى صعيد  النوع الاجتماعي , ففي العديد من الثقافات لا يتم التغاضي عن العنف الأسري فقط ، ولكنه يعد جزء متوقع من الزواج , على الرغم من ذلك، يكاد يكون من المستحيل تعريف الثقافة، وتصنيفها وقياسها حيث أن هناك العديد من العناصر المساهمة في الثقافة والانقسامات بين الثقافات ليست دائما بارزة بوضوح كامل .

غير أن تقرير اليونيسيف (2000) وكودو بوب (2010) يعتبران الدين عاملا ثقافيا هاما بشكل خاص يؤثر على كل من العنف الأسري وفعالية التشريعات. ولا يتضمن تقرير اليونيسيف تفاصيل عن الأديان التي ترتبط بارتفاع معدلات العنف الأسري؛ فإنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الدين لقمع النساء، فإن معدلات العنف الأسري  ستكون أعلى .

 قامت أحدى الدراسات بقياس تأثير الثقافة بأعتماد معيار الدين الاكثر انتشارا في الدولة ,  واعتمدت نماذج للديانتين المسيحية والإسلامية , حيث وجدت أن الدول ذات النسبة الكبيرة من المسلمين أقل احتمالا لاقرار التشريعات واتخاذ الاجراءات المتعلقة بالعنف الاسري , يبنما هناك فرصة أكبر بكثير في الدول ذات الاغلبية المسيحية لاقرار مثل تلك التشريعات والالتزام بأنفاذها  , الا ان العامل الثقافي يجب ان يرتبط تحليلياً بالعوامل السياسية والاقتصادية كنوع النظام ومعدل الدخل الفردي والناتج القومي ..الخ .

 

د.منتصر العيداني

رئيس مركز حوكمة للسياسات العامة

 

 

شارك على

اضف التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »