الحوكمة و التشكي و طواحين الهواء

الحوكمة و التشكي و طواحين الهواء

على مدى ستة أشهر أو يزيد أقام مركز حوكمة للسياسات العامة عددا من الورش والندوات والمؤتمرات في بغداد والمحافظات حول آليات مكافحة الفساد في العراق , وتناولنا عدة محاور أساسية كالفساد المالي , والإداري , و السياسي, وكانت تلك الندوات والورش بالشراكة مع البرلمان , و مجالس المحافظات , وعدد من الجمعيات و النقابات المعنية , والكوادر الأكاديمية والإعلاميين و الناشطين, و قد تواصلت تلك الفعاليات مع حملات و أنشطة وفعاليات للإعلام والمنظمات المدنية والناشطين وكتاب الرأي التي استمرت على مدى السنوات الماضية و كان بعضها يركز على الانتقاد والشكوى من جانب , و الاستهداف السياسي من جانب أخر, كما أتسمت بمسحة من اليأس و طرح الحلول المثالية وغير الواقعية , إلا أن جهودنا انصبت في منهجية السياسات العامة على تقنيات تشخيص المشكلة و تحجيمها واقتراح الحلول والبدائل بأسلوب وبمقاربات واقعية ومفصلية , مع الاخذ بالاعتبار طبيعة البيئة السياسية وتعقيدات عملية الانتقال الديمقراطي وبناء الدولة التي يدرك المختصون حجم وصعوبة المخاضات العسيرة التي مرت بها دول العالم في هذا المسار الشاق من صراعات ومآسي , وخير مثال على ذلك التاريخ الاوربي المرير منذ عصر النهضة وعلى مدى قرون عديدة لاحقة حتى بدأت ملامح الاستقرار بعد الحرب العالمية الثانية , وأتذكر أن أحد اساتذتنا المرموقين كتب لنا على الخاص ما مضمونه اننا نحارب طواحين الهواء . واليوم نلاحظ أن كل الجهود التي بذلها المجتمع المدني والإعلام والناشطين و غيرهم بدأت تثمر على أرض الواقع , مع ان الاجراءات الحالية قد تكون دون مستوى الطموح , وربما يندرج بعضها في إطار التجاذبات السياسية أو الحملة الانتخابية..الخ ، إلا أنها تعد الأبرز منذ عام 2003 في مجال مكافحة الفساد, كما أنها تنبئ بمسار جديد قد يكون غالباً متعرجاً في أحيان وبطيئاً و متلكئاً في أحيان أخرى, ألا أنه بالمحصلة مسار أخر وفي أتجاهات أفضل , وربما يأتي تصريح السيد رئيس الوزراء بضرورة الانتقال إلى مكافحة الفساد السياسي بعد تقدم خطوات مكافحة الفساد في القوات المسلحة ، إحدى مقاربات المطروحة في أوراق السياسات التي قدمت في ندواتنا وإثارة اهتمام العديد من المشاركين و المهتمين, كذلك طرحنا مقترحات عملية تتعلق بقانون الكسب غير المشروع والكشف عن الذمة المالية وغير ذلك مما أعتمد أخيرا في مجلس الوزراء وأجراءات هيئة النزاهة الاخيرة . أن عمل المجتمع المدني والتطور الاجتماعي و السياسي لا يزال فكرة غير مقدرة ولا تكتسب الأهمية لدى العديد من المثقفين و النخب الفكرية والأكاديمية في مجتمعنا , لأن فكرة التغيير أقترنت بالموروث السياسي والفكري المرتبط بالتغيير الشامل والجذري والانقلابي المفاجئ والسريع والعنيف , وهذا أساس للتدمير أكثر منه للتطور والتغيير الناضج والحقيقي كما أثبتت كل التجارب السياسية في تاريخنا المعاصر . أخيرا فأن مهمة المجتمع المدني اليوم ليس فقط الانتقاد واللوم والتشكي والاعتراض على كل خطوة, أنما أن نبادر وأن ندعم أي بوادر ممكنة ، وكل أجراء مهما كان جزئياً في أطار معوقات جمة تكتنف الواقع السياسي , ذلك أن عملية التغيير والاصلاح هي عملية مكلفة ومعقدة تقتضي فهما عميقا للتاريخ والتناقضات والنسبية في التفكير لا الاسلوب الشعاراتي والاطلاقي والتعميم والتعويم , ولنتذكر دائما مقولة أن التعميم لغة الاغبياء .

شارك على

اضف التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »