البصرة مدينة الألم

 

Peter Harling , Basra dystopian city , Published on September 1, 2016

وحدة الترجمة في مركز حوكمة للسياسات العامة 

تُعدُ البصرة ثاني أو ثالثَ أكبر مدينةٍ في العراق، والمزمع أن تكون المدينةَ الاقتصاديةَ الأكبر والاكثر فاعلية من دبي وأبو ظبي والعاصمة الكويتية، لتبدى هيمنتها في ذلك على الخليج .
يُعد ميناء أم قصر بوابة العالم للوصول إلى واحدة من اكبر المناطق المنتجة للنفط ، والتي تعتبر السوق الاستهلاكية الأكبر. وأن الهيدروكربونات فيها هي الأكثر، ورواسبها هي الأرخص استغلالاً، ما يجعلها تمنح هامشَ ربحٍ كبيرٍ بغضِ النظرِ عن أسعار النفط .
منذ وقت ليس بالبعيد، عُرفت البصرة بأنها مجتمع متنوع، يضم نُخَباً ثقافية، وقوى عاملة ماهرة ــ ومن ثم، بوسعها أن تصبح قوة صناعية، وميناءً للتجارة الإقليمية..وليس أقل من ذلك ، فإن أرضَها مناسبةٌ لزراعة محصول الرز، فضلاً عن محصول التمر الذي اشتهرت به, وأن ما يلفت النظر في الوقت الحالي، أثناءالوصول إلى مطار البصرة, هو مشهد لافتة مُعلَّقة كُتبَ عليها (البصرة جنة الاستثمار)، وفي الحقيقة، فإنك لا تملك حيال ذلك غير الضحك فقط ، واليأس ليس إلا.
الواقع أن البصرة تعيشُ واقعاً مريراً كما تعيشهُ بلدان العالم المتخلف , إذ لا يوجد أدنى اعتبار للدولة فيها، إن لم نقل، إن الأخيرة غائبة تماماً, لاسيما أن الحكومة المحلية فيها تشكو من غياب الموازنة منذ عام 2013, وأن المظاهرات الشعبية تتصاعد أسبوعاً بعد آخر، رغم أنها (المظاهرات) لا تزال محدودة العدد، ولاتجتذب كثيراً من الدعم الشعبي.
كذلك فإن انتشار الجماعات المسلحة ،هو الآخر، غالباً ما يحجب حضور القوى الأمنية الرسمية. أما الشركات النفطية الأجنبية، فهي متخفية في أحسن الأحوال،وأنها تتواضع على توظيف العمال المحليين بسبب تأثير بعضٍ من العشائر أو الجهات التي تلجأ الى استعمال العنف قصد الحصول على حصتها من أموال النفط .
ولقد شهد اقتصاد المدينة تحولاً نحو الاعتماد على قطاعات التمويل العام التي هي قطاعات مشكوك في عملها (تدفع الرواتب وتموِّل المشاريع) , كما شهد الاقتصاد استهلاكاً للسلع المستوردة (خاصة السيارات)، وظهور المهووسين بالفساد، وتهريب الهيدروكربونات، والمخدرات, يضاف إلى ذلك الانفجار الديموغرافي في المدينة الذي أدى الى تنمية حضرية غير مسيطر عليها.
ثلاث موجات من الهجرة
تُعد البصرة مدينة مغايرة لوضع المدينة ــ الدولة، أي الأنموذج القديم للحكم الذاتي ، إذ أن موارد المدينة الغنية لا تبدو للعيان مع تفكك أنموذج الدولة ــ الأمة, ومن ثم، فإن من يضع القانون أناس غرباء عنها، وأن حكومتها المحلية مشدودةٌ إلى ما هو مركزي, حتى أن قرارات السفر تتخذ في بغداد , وبالتالي، ليس ثمة من يذود عن حقوق هذه المدينة،إذ ما قلنا إنه يوجد من بين الثلاثين وزيراً في الكابينة الوزارية في بغداد وزيراً واحداً عن البصرة , وأن تمثيلها النيابي لا يتجاوز الـ 9% من مقاعد البرلمان.
تمثل الطبقة السياسية من الاحزاب والقوى المحلية الاخرى ، والتي لها علاقة طفيلية بالمدينة، فضلاً عن طغيان الحضور العشائري في البصرة الذي هو نتاجُ ثلاث موجات نزوح،الأولى : بسبب استغلال الفلاحين من قبل الاقطاع في الجزء الأول من القرن العشرين، والثانية : بسبب التجفيف المهول لبيئة الأهوار في جنوب العراق من قبل نظام صدام حسين في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم ، والثالثة: بسبب الاضطرابات التي أحدثها الاجتياح الامريكي للعراق في العام 2003.
المهم في ذلك أن بعضاً من هذه العشائر الأكثر عنفاً وتأثيراً جلب معه أسلوبَ حياةٍ بعيداً كل البعد عن السكان المحليين في المدينة ، بعض تلك العشائر الوافدة كان لها تراثٌ قوي في مقارعة السلطة في الأهوار، وعُدت أماكنها لعقود طويلة ملاجئ للمعارضين للنظام السابق .
لقد وجدت البصرةُ نفسَها في وضع يماثل العديد من المناطق الغنية بالمصادر الطبيعية التي يتم أستغلالها من قبل الحكومات، والتي تتعامل معها معاملة (المستعمر) ــ كما يحصل في بلوجستان في باكستان، وفي منطقة شرق سوريا، وفي مناطقة شرق السعودية، وفي جنوب المغرب ، وفي دلتا النيجر في نيجيريا. لذلك فإن شعور المناطق هذه بعدم العدالة غالباً ما يقود الى الثورة أو الانفصال, ولكن الشكاوى في البصرة تبدو شكلية، والتهديدات بالانفصال تبدو غير مقنعة ، والمقترحات بأن المدينة يمكن أن تعمل الكثير لنفسها لم يكترث بها أحد.
إن اعطاء البصريين انطباعاً بانهم ممزقون، بسبب ما يحدثُ لمدينتهم، واستسلامهم الى فكرة الهامشية , ربما بسبب الفجوة الكبيرة الحاصلة بين الواقع والمثال , و يجعلهم لايعرفون من اين يمكن أن تكون البداية. إذ ثمة ما يدعو الى الشعور بالتمزق والهامشية، فحتى انهارها الفرعية التي كان يطلق عليها(فينيسيا الشرق) ممتلئةٌ بالقمامة, فشط العرب النهر المائي المهيب، ملتقى نهري دجلة والفرات له لمعانٌ زيتي، وتفوح منه راحة السمك الميت, لذلك فإن الحل الأفضل ــ كما يقول البعض ــ هو بناء أعلى برج في العالم مدينة عمودية تماما للهروب من المستنقع والوصول الى النجوم.
وعلاوة على ذلك،فإن الصراع الجاري تقوده بعض الأحزاب ، مثيرة للجزع ،أو قوى شبه عسكرية ، الأمر الذي يثير الانتقادات اكثر من التعاطف مع هذه القوى.
الغريب أن بعض الاحزاب وحتى القوى المسلحة؛ تفتخر بحجم خسائرها، عندما تمجد العديد من ضحاياها، المتزايد عددهم في الحرب الجهادية، الأمر الذي يمنحهم معنويات عميقة داخل المجتمع. ومع ذلك فالحماس الى الحرب هو الأكثر فاعلية، وهنالك اجماعٌ حوله أكثر من أي جزءٍآخر في العراق , يفتخر البصريون أنفسهم بأنهم يُشكلونَ أكثر من نصف قوات الحشد الشعبي، والتي تشكلت بأعداد كبيرة بعد فتوى الجهاد الكفائي للمرجع الأعلى آية الله السيستاني في 14 حزيران والتي دعا فيها العراقيين إلى دعم الجيش ضد تقدم داعش، ما جعل المدينة تعيش ايقاع الحشد.
لماذا رغب البصريون في التضحية بأنفسهم؟ الجواب يتمثل بالالتزام الديني ــ المتمثل بواجب طاعة المرجع الأعلى السيد السيستاني الذي يمثل السلطة العليا(المرجعية) لرجال الدين الشيعة العراقيين في المسائل الجهادية. غير أن آرائهُ غالبا ما كان يتم التعامل معها انتقائيا من قلبل بعض القوى السياسية والاجتماعية ، اذا ما كانت بالضد من مصالح الطبقة السياسية، أوبالضد من العادات الشعبية في الجنوب, لذلك كان قد دعا الأحزاب السياسية الى عمل ماهو ضروري، وتقديم التنازلات الواضحة , وحضر رفع رايته اثناء مواسم الحج، وعدم اعتماد القانون العشائري، وإزاء ذلك لم يكترث عدد من هؤلاء في ما أراد إسماعه منهم،غير أن دعوته الى التعبئة كانت قد سُمعت بقوة ووضوح.
الحركة الاجتماعية الحقيقية
ليس الحشد هو التجنيد بصيغته المعروفة في سياق الدولة، إنما هو حركة اجتماعية حقيقة لها جذورها في المخيال الاجتماعي الشيعي، فالحرب ضد داعش ، مكنت عوام الشيعة من الدخول في حالة من المجاز أو الاستعارة الرمزية، رغم انهم لم يقفوا عل تخوم الجبهات أجمعهم , لكنهم تمثلوا وجوده مضمن في واقعة أستشهاد الإمام الحسين مع انصاره في معركة كربلاء في680م.
هكذا تتمركز سيكولوجية التدين الشعبي للشيعة حول هذه المأساة, إذ تستعاد الواقعة في الأول من كل شهر محرم الهجري(واكثر تحديداً خلال طقوس محرم)،عن طريق العروض الطقوسية (التعزية)، والممارسات الأخرى المتعلقة بتأثيم الذات, وهذا يساعد الناس على احياء تضحية الحسين الذي يعتبر محور ثقافة التضحية التي يطرحها التشيع كرمز للمقاومة، سواء في الانتصار أوالانتحار.
تتكرر القصة في القتال ضد داعش اليوم، والتي من المفترض أنها تجلب كل أعداء الشيعة: الطغيان السني ، والامبريالية الغربية ــ إسرائيل, فهؤلاء الشهداء يموتون من أجل قضية الشيعة، ويوضعون في اطار من الشهادة الرمزية تجمعهم مع إمامهم الحسين، فما عاد التمثيل الطقوسي تمثيلاً، إنما يقود نحو الشهادة بالفعل.
إن لهذه الحيوية المعنوية جانب سياسي , فالممثلون المفترضون للشيعة العراقيين فشلوا في الاستفادة من الإطاحة بصدام حسين. واستثمار عهد جديد يتوق إليه ويحلم به كل العراقيين جرّاء قرون من الهيمنة ، إذ تحول ذلك كله فيما بعد إلى خيبة أمل، ما أجبرهم على العودة المتواصلة إلى الماضي لإعادة اختراع ما هو أسهل , ومن المفارقات أن عقلية الضحية المعقدة التي تشكّلت منذ قرون، يمكن أن تتقدم اليوم بحرية تامة لايوجد ما يمنع ذلك هو مفروض على الجميع ويعبر عنه علنا , فهي ترسي المجتمع وتعرف الشرعية السياسية ويجب على أي قيادة شيعية أن تذعن، أو على الأقل تبدو أنها تذعن، إلى مظاهر الشيعية غير الممنوعة، التي غالبا ما تتعارض مع الأيديولوجيات الأكثر تنظيما , والحسابات الاكثر سخرية من النخب ، هذا هو الدرس الذي تعلمه السيستاني , واستندت دعوته للدفاع عن العراق إلى الوطنية غير الطائفية، وشجعت العراقيين على التوحد لدعم القوات المسلحة. ولكن صوته سرعان ما تداخل في هرج العاطفة الشعبية. هذا هو الدرس الكبير الذي يمكن استخلاصه من البصرة. هذه المدينة التي يحتمل أن تزدهر، والتي لديها الكثير من المشاكل الملحة، تسمح لنفسها بالاستيلاء عليها وسحبها إلى مسعى أكبر بكثير ــ وهو بناء هوية شيعية يجب أن تتقاطع مع دائرة من الفشل التي تتزايد باطراد. فقط عندما يتم الوفاء بهذا السعي سوف يبدأ البصريون في النظر إلى المستقبل.

الآراء الواردة في المقالات والأبحاث لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

شارك على

اضف التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »